محمد بن جرير الطبري
137
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ بإثبات هو في القراءة ، وكذلك هُوَ في مصاحفهم . والصواب من القول أنهما قراءتان معروفتان ، فبايتهما قرأ القارئ فمصيب . القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا . . . فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ . . . قَوِيٌّ عَزِيزٌ يقول تعالى ذكره : لقد أرسلنا رسلنا بالمفصلات من البيان والدلائل ، وأنزلنا معهم الكتاب بالأحكام والشرائع ، والميزان بالعدل . كما : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة الْكِتابَ وَالْمِيزانَ قال : الميزان : العدل . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ بالحق ؛ قال : الميزان : ما يعمل الناس ، ويتعاطون عليه في الدنيا من معايشهم التي يأخذون ويعطون ، يأخذون بميزان ، ويعطون بميزان ، يعرف ما يأخذ وما يعطي . قال : والكتاب فيه دين الناس الذي يعملون ويتركون ، فالكتاب للآخرة ، والميزان للدنيا . وقوله : لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ يقول تعالى ذكره : ليعمل الناس بينهم بالعدل . وقوله : وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ يقول تعالى ذكره : وأنزلنا لهم الحديد فيه بأس شديد : يقول : فيه قوة شديدة ، ومنافع للناس ، وذلك ما ينتفعون به منه عند لقائهم العدو ، وغير ذلك من منافعه . وقد : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا الحسين ، عن علباء بن أحمر ، عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : ثلاثة أشياء نزلت مع آدم صلوات الله عليه : السندان والكلبتان ، والميقعة ، والمطرقة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ قال : البأس الشديد : السيوف والسلاح الذي يقاتل الناس بها وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ بعد ، يحفرون بها الأرض والجبال وغير ذلك . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : قوله : وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وجنة وسلاح ، وأنزله ليعلم الله من ينصره . وقوله : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ يقول تعالى ذكره : أرسلنا رسلنا إلى خلقنا وأنزلنا معهم هذه الأشياء ليعدلوا بينهم ، وليعلم حزب الله من ينصر دين الله ورسله بالغيب منه عنهم . وقوله : إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ يقول تعالى ذكره : إن الله قوي على الانتصار ممن بارزه بالمعاداة ، وخالف أمره ونهيه ، عزيز في انتقامه منهم ، لا يقدر أحد على الانتصار منه مما أحل به من العقوبة . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يقول تعالى ذكره : ولقد أرسلنا أيها الناس نوحا إلى خلقنا ، وإبراهيم خليله إليهم رسلا وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وكذلك كانت النبوة في ذريتهما ، وعليهم أنزلت الكتب : التوراة ، والإنجيل ، والزبور ، والفرقان ، وسائر الكتب المعروفة فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ يقول : فمن ذريتهما مهتد إلى الحق مستبصر وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يعني من ذريتهما فاسِقُونَ يعني ضلال ، خارجون عن طاعة الله إلى معصيته . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ . . . فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا . . . فاسِقُونَ يقول تعالى ذكره : ثم أتبعنا على آثارهم برسلنا الذين أرسلناهم بالبينات على آثار نوح إبراهيم برسلنا ، وأتبعنا بعيسى ابن مريم وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ يعني : الذين اتبعوا عيسى على منهاجه وشريعته رَأْفَةً وهو أشد الرحمة وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها